محمد حسين الذهبي

138

التفسير والمفسرون

وإنما الثاني تفسير لقراءة من قرأ « من قطرآن » بتنوين قطر ، وهو النحاس المذاب ، وآن : شديد الحرارة ، وأمثلة هذا النوع كثيرة . وقد خرّج على هذا ، الاختلاف الوارد عن ابن عباس وغيره في تفسير قوله تعالى « أَوْ لامَسْتُمُ « 1 » » هل هو الجماع ، أو الجس باليد ؟ فالأول تفسير لقراءة لامستم ، والثاني لقراءة لمستم ولا اختلاف . هذه هي الأوجه التي بواسطتها نستطيع أن نجمع بين أقوال السلف التي تبدو متعارضة . أما ما جاء عنهم من اختلاف في التفسير ويتعذر الجمع بينه بواحد من الأمور السابقة - وهذا أمر نادر ، أو اختلاف مخفف كما يقول ابن تيمية « 2 » - فطريقنا فيه : أن ننظر فيمن نقل عنه الاختلاف ، فإن كان عن شخص واحد واختلفت الروايتان صحة وضعفا ، قدم الصحيح وترك ما عداه ، وإن استويتا في الصحة وعرفنا أن أحد القولين متأخر عن الآخر ، قدم المتأخر وترك ما عداه . وإن لم نعرف نقدم أحدهما على الآخر رددنا الأمر إلى ما ثبت فيه السمع . فإن لم نجد سمعا وكان للاستدلال طريق إلى تقوية أحدهما ، رجحنا ما قواه الاستدلال وتركنا ما عداه . وإن تعارضت الأدلة فعلينا أن نؤمن بمراد اللّه تعالى ولا نتهجم على تعيين أحد القولين ، ويكون الأمر حينئذ في منزلة المجمل قبل تفصيله ، والمتشابه قبل تبيينه . وإن كان الاختلاف عن شخصين أو أشخاص ، واختلفت الروايتان أو الروايات صحة وضعفا ، قدم الصحيح وترك ما عداه . وإن استوت الروايتان أو الروايات في الصحة ، رددنا الأمر إلى ما ثبت فيه السمع . فإن لم نجد سمعا وكان للاستدلال طريق إلى تقوية أحدهما رجحنا ما قواه الاستدلال وتركنا

--> ( 1 ) في الآية ( 43 ) من سورة النساء ، وفي الآية ( 6 ) من سورة المائدة ( 2 ) مقدمته في أصول التفسير ص 12